blog spot

Saturday, April 30, 2016

الجشع على موائد الطعام يمتد الى الجنائز!

الجشع على موائد الطعام يمتد الى الجنائز!


أصبح من غير الممكن أيامنا هذه أن تحضر مجلس عزاء دون ملاحظة عديد العادات الجديدة، التي طمست أوجه مواساة أهل الفقيد، وقضت على رهبة هذا النوع من المجالس بما كان مرتبطا بها من مشاعر الحزن وألم الفراق وحرمة الميت والاعتبار به، إذ تحول واجب العزاء الذي من المفترض أن يكون مهمة إنسانية إلى مناسبة للمجاملة بتسجيل الحضور، وفرصة لملء البطون وشحن مولدات النميمة بأخبار فلان وعلان.
نميمة.. غيبة وقذف للمحصنات في رصيد صاحب العزاء
يقال أن الأكل من الصدقة على الميت يزيد في حسناته، كذلك ذكر مآثره والدعاء له برضا الله والمغفرة، ويتداول كذلك أن ما دون هذا من طقوس سيئة كالنواح والعويل يثقل كفة سيئاته، فما بال الذين يأتون مجالس العزاء يغتابون ويقذفون المحصنات حتى بين أفراد الحاضرين؟ تقول هناء التي فقدت والدتها منذ أشهر: "لم أكن أتوقع أن ضعف إيمان البعض بلغ هذا المبلغ، لم أكتشف من قبل كواليس العزاء إلا بعد ما احتضنه بيتنا، فبعد أيام قلائل تداولت لدى العائلة والمعارف قصص غريبة وعجيبة، إحداها تقذف شرفي، وأخرى تشي بالنميمة بين زوجات إخوتي حتى ولّدت عداوة، وقصصا مفبركة عن الزواج والطلاق والسفر، كلها مردها إلى لقاء حشود النسوة المعزيات بوفاة والدتي..". 
حزن بزينة فرح
ومن المظاهر التي تشعرك بأنه ما عاد يهز الناس موت قريب ولا يؤثر فيهم موت بعيد، هو تزين المعزيات و حتى أهل المتوفى وعدم اكتراثهم، إذ تروي مروة: "توفي زوج أختي في حادث سير، كانت صدمة قوية لها ولنا، وفور بلوغنا الخبر، ذهبنا على جناح السرعة رغم المسافة البعيدة جدا، لنشارك أسرة المصاب حزنها، وبعد ثلاثة أيام من العزاء ونحن لانزال هناك نواسي أختي وأبناءها، استنكرنا بعض تصرفات ذويه التي لا تليق بالمصيبة، فأخواته العشرينيات لا يخرجن لمقابلة الزائرات إلا بعد تصفيف شعرهن، ووضع لمسات بسيطة من المكياج لدرجة أن المعزيات كانوا يظنوني وأمي أسرة الميت، لما كنا عليه من ضيق وإهمال لأنفسنا، مقابل الاهتمام المبالغ فيه من قبل والدته وبناتها، والعجيب أنه رغم البكاء الشديد، وكل ذلك الألم الذي كان يعتصرهم، لم يفرطوا في الزينة التي هي عنوان الفرح.
موائد مصفوفة وصالونات للعزاء
أخذتنا الدهشة بعيدا جدا عندما حدثتنا السيدة سلمى التي تملك وزوجها قاعة حفلات صغيرة بالبليدة، على أنه لأكثر من مرة يطلبها أشخاص لإقامة عزاء، الأمر الذي حيرنا كثيرا، خاصة وأنه من المتعارف عليه بأن القاعات تطلب قبل فترة من المناسبة، تقول مالكة قاعة "الريان": قبل حوالي سنة جاءني شاب في الثلاثينات، بينما أوشكت على إغلاق القاعة، طلب مني كراءها لإحياء ثالث يوم من عزاء عمه، تعجبت، ولكن زوجي أصرّ فيما بعد على كرائها مادام الموعد غير محجوز.."، وأردفت السيدة سلمى: "الفقيد كان شخصية مرموقة فتهافت على عزائه مئات المعارف من أصحاب الأفواه المفتوحة، يبتلعون أصناف الطعام التي أشرف المطعم على تحضيرها، دون اكتراث بحجم المصيبة، في مشهد لا يختلف أبدا عن بعض الأفراح التي تقام بالقاعة.."، ورغم أن العزاء قيمة شرعية وإنسانية لا تقبل التحوير إلى أي صورة أخرى تحمل مضمونا يخرج بها عن إطارها، فقد ذكرت السيدة أنه أتتها العديد من الطلبات من هذا الصنف بعد تفشي الأمر، خاصة من العائلات الميسورة أو التي تعاني من ضيق المنزل، هذا الواقع الذي تخطى حدود منزل الميت في السنوات الأخيرة، أفرغ المعزين من مبادئهم السامية ليرفع فاتورة التعب النفسي بعبء مادي يقع على عائلة الفقيد، التي وزيادة على ما هي عليه من حزن وألم مجبرة على أداء واجب الضيافة وتحمل كلفة المأكل والمشرب وما يتبع ذلك من مظاهر الاستقبال والتوديع التي عادة ما أصبحت تمس حتى ذويه من المقربين.

No comments:

Post a Comment