blog spot

Sunday, May 24, 2015

صرخة ..

صرخة‮...‬

    كثيرة هي‮ ‬الرسائل التي‮ ‬تصلني‮ ‬من أخوات وإخوة‮ ‬يكتبون فيها مشاعرهم ويعبرون عن كثير من الألم والأمل،‮ ‬وكثير من الحب للوطن،‮ ‬والاحتقار لمن‮ ‬يسيئون إليه‮.‬
هذه المرة قررت أن أتنازل عن هذه المساحة المخصصة لي‮ ‬لأخت جزائرية خريجة المدرسة الوطنية للإدارة،‮ ‬لم تقدر على تحقيق آمالها وأحلامها في‮ ‬وطنها،‮ ‬ومع ذلك تفيض بمشاعر الحب للوطن والتعلق به؛ لذلك أردت أن أقاسمكم تلك المشاعر التي‮ ‬يشترك فيها كثير من أبناء هذا الجيل الذي‮ "‬هرم‮" ‬من أجل لحظات تاريخية‮ ‬يقوم فيها بواجبه‮.‬‭ ‬
سلام عليكم أستاذ
هي‮ ‬كلمات تخرج وهنا على وهن من وطن لايزال‮ ‬يتلاشى داخلي‮ ‬كرها وقسرا ومازلت أصغر فيه ظلما وقهرا،‮ ‬لطالما هاجمت الحراڤة وتحاملت على الكفاءات المهاجرة هربا وخيبة،‮ ‬تشدقت بالوطن والوطنية زمنا وراهنت على الجزائر عمرا ومازلت لا أفهم أي‮ ‬منا خان صاحبه،‮ ‬لقنني‮ ‬أبي‮ ‬أول ما لقنني‮ ‬كتاب الله وإلياذة الجزائر،‮ ‬فتضخمت الجزائر داخلي‮ ‬كمارد،‮ ‬وحده مفدي‮ ‬زكرياء كان‮ ‬يشبع نرجسية الوطن داخلي‮ ‬وهو الذي‮ ‬رسم الجزائر أسطورة وتاريخا وحضارة فمجدها كما مجد هوميروس الإغريق،‮ ‬كبرت والعمر هنا‮ ‬يقاس بالخيبات لا بالسنوات وعمر الخيبات تغذيه الصدمات أبدا،‮ ‬وصدمة عمري‮ ‬كانت أن لا بيت في‮ ‬الإلياذة أصدق من‮: ‬جزائر‮ ‬يا مطلع المعجزات،‮ ‬نعم معجزة العشرية التي‮ ‬قتل فيها من قتل ونهب فيها ما نهب ومعجزة الألف مليار ومليار التي‮ ‬تصلنا أخبارها تباعا ومعجزة أغلى كيلومتر‮ -‬تكلفة‮- ‬في‮ ‬العالم ومعجزة قروض أفلست المجتمع أخلاقيا ومعجزة أصحاب الحق الإلهي‮ ‬في‮ ‬تسيير شؤوننا،‮ ‬أولئك الذين لا نعرف عنهم شيئا ويعرفون عنا كل شيء ومعجزة الرئيس الذي‮ ‬يرأسنا منذ زمن ولا نكاد نسمع له صوتا وووو‮…‬
تضخم داخلي‮ ‬مارد الوطن‮ ‬يا أستاذ حفيظ فغدا مرضا،‮ ‬وكلما تذمرت لأمي‮ ‬أجابتني‮: ‬الحمد لله على الصحة،‮ ‬فهل نحن أصحاء‮ ‬يا أستاذ؟ لا قطعا‮! ‬نعاني‮ ‬داءً‮ ‬يتفاقم أمام أعيننا‮ ‬يوما بعد‮ ‬يوم اسمه الجزائر‮.‬
ورم الوطن لايزال لا‮ ‬يزداد إلا تضخما حتى بت أخشى أن أضطر إلى استئصاله ولو مؤقتا‮ -‬الأرجح أنني‮ ‬فعلت‮-‬‭ ‬فكمن‮ ‬يهرب من حقيقة إلى سراب رحت أبتاع لي‮ ‬من كل بلد أزوره علما أعلقه في‮ ‬غرفتي‮ ‬عساني‮ ‬بكل تلك الأعلام ألغي‮ ‬انتمائي‮ ‬لهذا الوطن الذي‮ ‬لم‮ ‬يبق لي‮ ‬منه إلا علم وبضع وثائق رسمية،‮ ‬ووحدي‮ ‬في‮ ‬قرارة نفسي‮ ‬كنت أفعل ما أفعل لأغيظ ذلك العلم‮ (‬علم الجزائر‮) ‬المخبأ داخل وسادتي،‮ ‬ذلك العلم الذي‮ ‬خاطته جدتي‮ ‬داخل وسادة أمي‮ ‬ذات تسع وخمسين تسع مائة وألف،‮ ‬حتى لا‮  ‬يجده الفلاڤة إذا ما أتوا لتفتيش البيت بعد وصول الأنباء عن استشهاد جدي،‮ ‬ومازلنا نحتفظ بتلك الوسادة كمن‮ ‬يحتفظ بكنز،‮ ‬ومازلت كل ليلة أعود لحضن وسادتي‮ ‬وأحكي‮ ‬لعلم جدي‮ ‬كل الحكايات وأخبره أنه ما عاد بحاجة إلى التخفي‮ ‬داخل وسادة ولكن أخشى عليه أن‮ ‬يخرج من الوسادة فيجد أعلاما ولا‮ ‬يجد وطنا،‮ ‬يا علمي‮ ‬حضرت الأعلام وغابت الجزائر‮ ‬يا وجعي‮.‬
من عمق الخيبة أكتب لك أستاذ بعد ما أصبحت مقالاتك عن الوطن مؤنسا لنا في‮ ‬ضبابيتنا هذه،‮ ‬أكتب لأرجوك ألا تتوقف عن الكتابة وألا تعير أذنا لأولئك الذين‮ ‬يحاولون تثبيطك فنحن مواطنون قبل أن نكون‮ "‬مهنيين‮" ‬في‮ ‬أي‮ ‬مجال كان وعملك في‮ ‬الإعلام الرياضي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون حاجزا أمام تبنيك لقضية الوطن‮.‬
وأما السبب الثاني،‮ ‬فلدي‮ ‬حلم،‮ ‬حلم سعيت جاهدة لتحقيقه داخل الوطن ولكن لا حياة لمن تنادي‮. ‬نعم أعرف أنك تتلقى ملايين الطلبات من هذا القبيل ولكن حلمي‮ ‬مختلف نوعا ما‮. ‬أستاذ حفيظ ما أطلبه من حضرتك ليس تحقيق حلمي‮ ‬أو الوساطة من أجل ذلك،‮ ‬كل ما أتمناه هو أن أتلقى منك ردا توجهني‮ ‬فيه إلى الكيفية باعتبار الخبرة التي‮ ‬تملكها في‮ ‬هذا المجال‮. ‬
أعشق الإعلام الرياضي‮ ‬ومرارا حاولت طرق أبواب التلفزيون الجزائري‮ ‬أبحث عن نصف فرصة كي‮ ‬أجتاز أي‮ ‬مسابقة توظيف ولكن هيهات،‮ ‬حتى تلك القنوات الخاصة مازلت أتردد في‮ ‬محاولة طرق أبوابها بالنظر لما‮ ‬يثار حولها من زوابع‮. ‬
إن كنت قد وصلت إلى‮ ‬غاية هذه النقطة من رسالتي‮ ‬فهو كرم لا أنساه لك،‮ ‬ويكفيني‮ ‬كرمك هذا حتى لو لم تجد وقتا للرد،‮ ‬أما إن لم تفعل فستكون مجرد خيبة أخرى تزيد في‮ ‬العمر خيبة والعمر هنا‮ ‬يقاس بالخيبات كم سبق وقلت‮.‬

إلى الأخت العزيزة،‮ ‬أقول إنني‮ ‬أتألم مثلك وأكثر،‮ ‬ويتألم كثير من أمثالك على وطنهم أكثر مما‮ ‬يتألمون على أحوالهم،‮ ‬ومع ذلك أقول لك‮: ‬إن‮ "‬غدا‮ ‬يوم آخر‮" ‬لن‮ ‬يمنعنا أحدا بأن نحلم بأن‮ ‬يكون أفضل‮.‬

لـــ حفيظ دراجي 

No comments:

Post a Comment